تقرير بحث الشيخ السبحاني لحسن مكي العاملي
103
نظرية المعرفة
الإنسان من طريق الحسّ ، وكان الحسّ غير معبّر عن الحقيقة ، تكون أغلب علوم وتصورات الإنسان فاقدةً للقيمة العلمية . ولأجل ذلك ، ينبغي أن نَعُدّ ديكارت من الشكّاكين لا الواقعيين والموضوعيين . فهو وأتباعه يرفعون شعار العلم والمعرفة اليقينية ، ولكنهم في الحقيقة شكاكون ، غيرُ مذعنين . ولعلّ هذا نوع نفاق علمي حاق بهم ، ولم يكن رفع الشعار العلمي إلّا واجهة ليس وراءها حقيقة . الشك بين الوسيلة والغاية إنّ الشك الطارئ على الذهن يتبلور على صورتين : أ - تارة يطرأ على الذهن بصورة ظاهرة نفسانية ، ثمّ يزول بعد فترة ، ويتبدل إلى اليقين ، وهذا هو الشكّ المنهجي . ب - وأُخرى يطرأ على الذهن ويعلق به ولا يرحل عنه أبداً ، بل يستوطن فيه . فالقسم الأول من الشك وسيلة لليقين وأمارة إليه ، وهو يدفع الإنسان إلى السعي وراء الحقيقة واستخدام قوى النفس الباطنية لرفع الحجب والأستار عن محيّاها . وهذا الشك نعمة من نعم اللَّه سبحانه على المحققين والمتعمقين . وأمّا القسم الثاني ، فهو بلاء النفس وعذاب لها ، وإذا استمر الشك فيها ، فإنّه يُحرقها في أُتونه ، ويشرف بالإنسان على الخبط والجنون . ومن حسن حظ ديكارت أنْ كان شكُّه من القسم الأول ، فقد استخدمه للوصول إلى منار اليقين ، ولو في قسم من المعارف البشرية . وليس ديكارت وحيد نسجه في هذا المقام ، أي ممن طرح كل معلوماته وتصوراته ، وبدأ بالتحقيق من صفر ، بل سبقه إلى ذلك الإمام الغزالي ، أبي حامد محمد بن محمد « 1 » .
--> ( 1 ) . ولد عام 450 ه ق ( 1058 - 1059 م ) في مدينة طوس من مدن خراسان ، وتوفي فيها عام 505 ه . ق ( 1111 م ) .